قرية فضل
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة

الزواج السوداني بين الاصول الاسلامية والتقاليد الاجتماعية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الزواج السوداني بين الاصول الاسلامية والتقاليد الاجتماعية

مُساهمة من طرف الفاضل العبيد عمر في السبت أغسطس 03, 2013 9:18 am

الزواج السوداني بين الأصول الإسلامية والتقاليد الإجتماعية (1)

بروفسور الفاضل العبيد عمر

معاني الزواج الإسلامي

الزواج في الإسلام إرتباط مقدس بين الرجل والمرأة يهدف لتأسيس أسرة كأول لبنة في البناء الاجتماعي ، والمرأة في الإسلام لها مكانتها السامية التي لا ينكرها إلا مكابر . وتميز الإسلام على كل الشرائع باحترام المرأة وتقديس الأسرة.وتميزت الحضارة الإسلامية على كل الحضارات عبر التاريخ في إعطاء المرأة والأسرة منزلة عظيمة ، في الوقت الذي تعرضت فيه المرأة إلى المهانة عند كثير من الحضارات عبر العصور . فقد كانت المرأة في الحضارة الرومانية تابعاً ذليلاً كالقاصر الذي ليس له حقوق مستقلة على الإطلاق , وكانت في الحضارة الهندية عائقاً لدولاب الحياة الجسدية ، وليس هناك من خلاص إلا بالإنفصال عنها. وكان حقها في الحياة منتهياً بإنتهاء الزواج . فإذا مات زوجها تحرق معه . وفي الحضارة المصرية القديمة كانت المرأة رمزاٌ للخطيئة وخليفة للشيطان ، وسبباٌ للرذيلة . وفي الجاهلية قبل الإسلام ، لم يكن للأب العربي شيء ابغض إليه من خبر يأتيه بمولد انثى ، وانتشر وأد البنات خشية من العار والإملاق . ويشير إلى ذلك الله سبحانه وتعالى : "وإذا بشرأحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم . يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون ". ثم جاء الإسلام ليزيل عن المرأة هذه الوصمة ، ويمنحها من الحقوق ما يساوي حقوق الرجل في كل شيء إلا في حق القوامة . يقول المولى عز وجل : " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ".

        والحياة الزوجية في الإسلام تقوم على المودة والرحمة والتراضي والتشاور والتعاون . يقول الله تعالى : " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون".

        ويقول سبحانه أيضاً : " لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده ، وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما".

        وعظم الإسلام شعيرة الزواج ، ودعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحرص على الزواج حيث يقول : " يا معشر الشباب من إستطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". ويقول عليه الصلاة والسلام أيضاً : " الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة ".

        وعندما يتم الزواج تتحقق به معاني اجتماعية ونفسية وعقائدية شتى . فالزواج يبني الأسرة ، ويزيد في النسل ، وهذا ثابت بحديث الرسوم الكريم صلى الله عليه وسلم : " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم ". والزواج راحة للنفس وتقوية للضمير على العبادة وقربى إلى الله سبحانه وتعالى . يقول نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم : " من رزقه الله إمرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الباقي".

        إن الزواج سنة مؤكدة ، وله دور فاعل في التركيب الأسري . وللإنسان غرائز لا بد من اشباعها ، ومن أهم هذه الغرائز غريزة الجنس التي شرعها الله سبحانه وتعالى لحفظ النوع البشري ، ووضعها الله تعالى في الإنسان بقوة لحفظ النوع من الإنقراض . إضافة إلى غريزة الأمومة والأبوة والرغبة في التكاثر ، حيث تنصهر مع بعضها البعض وتزيد حدة وقوة إذا تأخر الزواج لأي سبب من الأسباب . أما غريزة الإنتماء إلى الأسرة ، وتكوين عائلة تتواصل مع العائلات الأخرى لتكوين القبيلة ، فإنها قاعدة أساسية في البناء الاجتماعي والحياة . والأسرة هي نواة هذه القاعدة ، ولن تقوم الأسرة بلا زواج . ومن ثم يستقر الإنسان حقيقة ، وينعم بالطمأنينة والسكن . وكل إستقرار لا يسنده زواج فهو لا محالة إلى زوال . والإسلام حرم الإباحية وحث على الزواج ، وينبغي أن يكون ذلك ديدن الفرد المسلم.

        ودعونا نستمع إلى الإمام الغزالي حيث قال في كتابه " إحياء علوم الدين" : الزواج فيه إراحة للقلب ، وفي الإستئناس بالنساء من الراحة ما يزيل الكرب ويروح عن القلب " . ويقول العالم الأمريكي جون بول بي : " إن حفظ فن الأبوة أحد المهام الرئيسية للأسرة . فإذا ضاع هذا فقد ضاعت على المجتمع وظيفة لا تقل أهمية بالنسبة له عن وظيفة إنتاج الطعام ".

آداب ومزايا

        يطلب الإسلام من الزوج أن يحسن عشرة زوجته ، ويحرص على حسن معاملتها . وأكد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك عندما قال : " إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله " . ويحذر الإسلام الزوجين من إفشاء أسرار الزوجية لأن ذلك من صفات الأشرار الذين يتعرضون إلى غضب الله تعالى يوم القيامة . فقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى إمراته وتفضي إليه ثم ينشر أحدهما سر صاحبه " . وفي الوقت ذاته يطالب الإسلام الزوجة بالوفاء لزوجها وطاعته وإحترام عش الزوجية وقدسيته . فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيما إمرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنة " . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا صلت المرأة خمسها ، وحصنت فرجها ، وأطاعت بعلها ، دخلت من أي أبواب الجنة شاءت ".

        ومن مزايا الزواج الكثير من الفوائد الدينية والدنيوية والاجتماعية والصحية. فهو إمتثال لأمر الله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، وهو غاية سعادة العبد في الدنيا والآخرة . وفيه إتباع لسنن المرسلين الذين ينبغي إتباعهم والإقتداء بهم . وفي الزواج قضاء الوطر وفرح النفس وتحصين الفرج وحماية العرض وغض البصر والإبتعاد عن الفتنة . إضافة إلى ميزة ترابط الأسر وتقوية أواصر المحبة بين العائلات ، وتأكيد الصلات الاجتماعية . والزواج سبب في كثرة الرزق ، يقول الله عز وجل : " إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله " . وقوله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة حق على الله عونهم ". وذكر منهم الرجل يريد الزواج والعفاف . ويوفر الزواج حاجة كل من الزوجين إلى صاحبه إلى السكن النفسي والجسماني والروحي وقرة العين بالأولاد . والزواج يلبي الرغبة الغريزية عند الرجل والمرأة لكمال الحياة البشرية ، ويتعاون كل من الزوجين على تربية النسل وبناءالأسرة والمحافظة عليها . ويقود ذلك إلى قيام العلاقة بين الزوجين على أساس التعاون المثمر والحقوق المتبادلة في بوتقة ملائكية تحفها المودة والرحمة والمحبة والاحترام والتقدير. ويتحقق من الزواج الثواب العظيم من الله تعالى عند القيام بالواجبات الزوجية وتربية النشيء والانفاق عليهم ، فقد قال عليه الصلاة والسلام : " وفي بضع أحدكم صدقة . قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : أرايتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ". وقال صلى الله عليه وسلم : " إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فيء إمراتك ".

        وفي الزواج طهارة النفس وحفظ السمعة وتمام الدين وصحة البدن . والولد الصالح يدعو لوالديه بعد موتهما ، وفي ذلك ثواب يكتب في ميزان حسنات الأب وقد إنقطع عمله في الدنيا . قال عليه الصلاة والسلام : " إذا مات إبن آدم إنقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ". وبالزواج يسلم الفرد والمجتمع من الإنحلال الخلقي والأمراض البدنية والسيكولوجية ، والإسلام يطالب المسلم بالمبادرة في الزواج ، فإن لم يستطع فليستعفف حتى ييسر الله تعالى ذلك. وهذا مصداق قول المولى عز وجل : " وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله ". وقد ينعم الزوجان بنعمة حفظ الأنساب والحقوق في الميراث ، والتحصن من الشيطان ، والبعد عن الزنا ، ودفع أضرار الشهوة الجنسية ، ونعمة المجالسة والملاعبة والنظر المباح والملاطفة . ويتمكن الزوجان من مجاهدة النفس وتحمل المسئولية واحتساب الأجر والصبر على تربية الأولاد والقيام بحقوق الولاية والرعاية . وقد ذكر الشيخ عبد الله بن جار الله في كتابه " قضايا تهم المرأة" أنه جاء في تقرير لهيئة الأمم المتحدة أن المتزوجين يعيشون عمراً أطول مما يعيشه غير المتزوجين ، وهذا يعني أن للزواج فوائد صحية تشمل النفس والبدن.

        وقد شرع الإسلام الزواج لغايات نبيلة وفوائد جليلة . وأمر بتسهيل أسبابه ليتم التناسل وعمران الأرض بالذرية الصالحة . قال الله تعالى : " فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت إيمانكم ". وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : " أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى ". وقال عليه الصلاة والسلام : " لكني أصوم وأفطر وأصلى وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني " . وكثيراً ما يوصي الإسلام بالزواج من المرأة الصالحة المتدينة ، وهذا عنصر هام عند إختيار شريكة الحياة . فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " تنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها ، فأظفر بذات الدين تربت يداك ". وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً : " أربع من أعطيهن فقد أعطى خير الدنيا والآخرة : قلباً شاكراً , ولساناً ذاكراً , وبدناً على البلاء صابراً , وزوجة لا تبغيه حوباً في نفسها وماله".

        فالزواج في الإسلام عقد لازم وميثاق غليظ وواجب اجتماعي وسبيل للرحمة بين الزوجين . وهو عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه ، ويستكمل بها نصف دينه ، ويلقي بها الله تعالى في طهر ونقاء . وها هو الإمام أحمد بن حنبل يقول : " ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء ، ومن دعاك إلى غير الزواج فقد دعاك إلى غير الإسلام " . وأسمعوا لأبن مسعود وهو يقول : " لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام وأعلم أني أموت في آخرها يوماً لتزوجت مخافة الفتنة".

رباط مقدس

        الأسرة في الإسلام هي المجتمع الصغير ، ومنها يتعلم الفرد أفضل الأخلاق الاجتماعية ، وأسمى فضائل الرحمة والكرم والعطف . ومن الأسرة يتعلم المرء العزة والوفاء والغيرة ورعاية الحرمات . ويفقد الإنسان المروءة والايثار اذا هجر الأسرة وهدم روابطها ودعائمها. ولن يناطح الأسرة إلا من كان عدواً للنوع الإنساني . وليس هناك أي سبب يسوغ لنا هدم الأسرة أو التخلي عنها . ورغماً عن أن المغالاة في حب الأسرة وحب النفس قد يقود إلى الإجرام والجبن والكيد البخل ، إلا أن المطلوب ليس نبذ الأسرة ، بل ينبغي التوفيق بينها وبين خصال الأثرة وأضرار الجشع.

        وعن طريق الأسرة تحفظ الصناعات والثروات التي يتوارثها الأبناء عن الأباء ، ومن ثم يتم خلودها بين أبناء الأمة جمعاء . فلا أمة بلا أسرة ، ولا آدمية بلا أسرة ولا أسرة بلا زواج . وقد أورد الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه " حقائق الإسلام وأباطيل خصومه " أن الاسرة في الإسلام تقوم على كيان دائم قابل للإتساع والأمتداد والوئام . ويتحقق ذلك بنظامين من النظم الإسلامية هما نظام المحارم ونظام الميراث.

        والأسرة هي العلاقة الدينية والاجتماعية التي وفرها الزواج بين الرجل والمرأة وفق شروط محددة . وأهم الأسس التي تقوم عليها الأسرة يمكن أن نجملها في الآتي:

أولاً : الاختيار على أساس الدين والأخلاق الكريمة :

        فقد يختار المرء زوجته على أساس المال الكثير والترف الظاهري، ولا يدري أن غنى زوجته أو أهل زوجته قد يبطرها عليه ويجعله تحت رحمتها خادماً لها وماموراً بأمرها بدلاً عن قائماً بأمرها وآمراً لها . وحياة زوجية من هذا النوع محكوم عليها بالفشل . وقد يختارالفرد الزوجة على أساس المكانة في المجتمع . حيث تجذبه الأسرة العريقة في العلم أو السياسة أو الحسب . ويعتقد أنه سينال قسطاً من هذا الشرف الرفيع والمكانة الاجتماعية بمجرد ارتباطه بهذه الأسرة . وينسى أن بعضاً من أفراد هذه الأسرة قد يكون بعيداً عن الشرف وعن الخلق القويم . وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول لعشيرته وهي أشرف عشيرة على وجه الأرض : " لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأحسابكم ".      ويقول الشاعر :

    لئن فخرت بآباء ذوي شرف              لقد صدقت ولكن بئس ما خلفوا

ومن ناحية أخرى قد يختار المسلم زوجته على أساس جمال الوجه والجسم، ويخيل إليه أن الجمال هو مصدر اللذة والسرور والسعادة الأبدية. ولا يدري أن الجمال تختفي متعته بالعادة ، ويذبل مع مرور الأيام . وقد يصاحب الجمال سوء في الخلق ، وهذا بلا شك يقود إلى البلاء والفتنة . وأحياناً يختار الرجل الزوجة على أساس من الدين القويم والخصال الكريمة . وهذا لعمري أفضل إختيار ، لأن جمال الدين باقٍ ومتجدد ، وجمال الخلق سعادة للنفس والأسرة ، ووسيلة فاعلة لبر الزوج ورعايته في قلب الزوجة ومشاعرها ، وقدرة على حفظ عرضها وأولادها ومال زوجها . وقد روى الطبراني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من تزوج إمرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلاً ، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقراً ، ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة ، ومن تزوج إمرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويحصن فرجه ويصل رحمه ، بارك الله له فيها وبارك لها فيه ". وروى إبن ماجة أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال : " لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين . ولأمة خرقاء مثقوبة الأذن سوداء ذات دين أفضل ". فالمرأة ذات الدين كنز لا يفنى ، والزوجة الصالحة تعين زوجها على العبادة ، وتطبق أحكام الإسلام على الأسرة ، وتحفظ سر زوجها وتحفظ ماله ومتاعه وفراشه . وصدق الله عز وجل القائل : " فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ".

ثانياً : الإختيار على أساس الكفاءة :

        والمقصود بذلك تقارب الوسط الاجتماعي من دين وخلق ومكانة ومال بين الزوجين. وبلا شك أن ذلك يساعد على الألفة والتعاون بين الرجل والمرأة . وإذا إنعدم التآلف بين الزوجين تبعاً لأختلاف الوسط الاجتماعي ، فإن الحياة الزوجية ستكون مهددة بالإنهيار خاصة إذا ضعف الدين ونقص الإيمان.

ثالثاً : الألفة النفسية :

        والمقصود بها إرتياح الزوجين أحدهما للآخر . وهذا ما طالبت به الشريعة الاسلامية عندما نصحت من يريد الزواج أن ينظر إلى من يريد الاقتران بها بحضرة محرم من أهلها . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها إئتلف وما تناكر منها إختلف ". وروى أبو داود وأحمد أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال للمغيرة بن شعبة وقد خطب إمرأة : " أنظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " أي يوفق.

رابعاً : النزعة الفطرية :

        والمقصود بها أن تكون المرأة ولوداً . وهذا يتضح على ما هوعليه الحال لدى اخواتها واقاربها من جهة أبويها . وهو أمر فطري عند الرجل ، فهو لا يريد من زواجه فقط قضاء شهوته ، بل يتطلع إلى الذرية والولد . وكم من زيجات تحطمت نتيجة لعقم الرجل أو المرأة . وقد تقدم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : " تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم".

       ونجد أن قوام التفاهم بين الزوجين هو إتفاق الميول والأهداف . واعتصام الزوجين بأهداب الفضيلة والتمسك بعروة الدين ، وذلك يقود لا محالة إلى توحيد الميول والاتجاهات والأهداف والرغبات . وعلى هذا الأساس يشيد الزوجان علاقاتهما على قاعدة صلبة.

        إن الأسرة الناتجة عن الزواج لها عدة أنواع : فالأسرة بمعناها القانوني الخاص تتكون من الزوجين والأولاد . وبمعناها القانوني الواسع فتتكون من الزوجين والاولاد وذوي القربى . أما الأسرة بمعناها الأعم فتتكون من كل من يجمعهم أصل مشترك ولوكان بعيداً . والأولاد لهم حق الميراث ، ولهم على أبائهم حقوق العناية والتربية والرعاية والتهذيب والتعليم والتدين ، وعلى الولد حقوق الطاعة والبر والنفقة والدعاء لوالديه.

        ولإقامة الأسرة مزايا نفسية واجتماعية واخلاقية ، وتتميز المزايا النفسية والطبيعية بأنها توفر للفرد الشعور الدائم بالحاجة إلى من يعيش معه . وكلما تقارب هذا الشعور نحو الطرف الآخر وإتحد معه ، كلما توثقت وشائج الحب والرضا. ونظراً لأن الإنسان بطبعه يحب الخلود والبقاء الدائم في الدنيا ، رغماً عن إدراكه استحالة ذلك ، فهو يطلب الأولاد بالزواج ليخلد اسمه وأفكاره في أولاده بعد موته . ويمثل تكوين الأسرة غريزة في الإنسان لا مفر له من الاستجابة لها عن رضا وطمأنينة ومن ثم الانجذاب نحو الاقتران بالطرف الآخر.

        ويريد الإنسان بزواجه أن يعمر هذا الكون الذي يعيش فيه ، وينساق نحو ذلك بطريقة تلقائية قد تكون شعورية أو غير شعورية . وللفرد الرغبة الأكيدة في أن يكون مسئولاًعن آخرين ، ويتوق إلى الزواج الذي يمكنه من تحمل مسئولية الأسرة بكل رضا وطيب خاطر . وتتحقق بذلك معالم الفطرة الربانية التي فطر الله تعالى الناس عليها.

        أما المزايا الاجتماعية فتظهر في عجز الإنسان الاستقلال بنفسه دون غيره، وهو في حاجة دائمة إلى غيره لإكمال جميع احتياجاته . وفي الزواج الوسيلة التي تحقق له ذلك . ويتمكن الفرد بتكوين الأسرة من القدرة على تلبية مطالبه ، ويتجنب العواقب والمخاطر عندما يقف معه أفراد الأسرة يشدون من أزره . ويشعر بالاطمئنان والعزة والمنعة وهو بين أفراد أسرته وقبيلته.

        وهنالك المزايا الأخلاقية التي يحصل عليها الفرد بالزواج وتكوين الأسرة . فالإنسان قد استجاب لحض الإسلام على الزواج ، وعمل على تهذيب نفسه بغض البصر وحفظ الفرج.

إضاف إلى ما يتبع الزواج من تعاون بين الزوجين قائم على مرضاة الله تعالى ، وتعاون على إنشاء جيل مؤمن بالله تعالى ، وعمل دائب على هداية البشرية إلى طريق الحق والسعادة في الدنيا والآخرة ، وإقرار عين رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين يوم القيامة وفق حديثه الشريف : " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم". والأسرة الإسلامية تتميز بالعديد من مظاهر التكافل الاجتماعي ومن ذلك نظام التوريث والهبات ونفقات الأقارب والوصية للأقارب من الميراث.

لا يصح إلا الصحيح

    للزواج أركان لا يتم إلا بها , وأول أركانه الإيجاب والقبول كما هو سائد في كل العقود. والشرع يطالب الزوجين أو وكيلهما أن يتلفظ بالإيجاب علناً , كما يطالبهما بالتلفظ بالقبول في جوابه على من هو مكلف بإجراء العقد. والركن الثاني يتمثل في رضى الطرفين زوجاً وزوجة. فالزوج يطالب بالرضى صراحة وشفاهة. أما الزوجة فتطالب بالتصريح برضاها إن كانت ثيباً , ويكتفي الشرع بما هو دال على رضاها إن كانت بكراً, مثل سكوت الرضى لا سكوت الغضب, ومثل بكائها على فراق أهلها لا بكاء الغضب والنفور. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تنكح الأيم حتى تستأمر, ولا البكر حتى تستأذن. قالوا يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت". وليس من حق الأب أن يكره ابنته على الزواج بكراً كانت أم ثيباً .ويكون الزواج باطلاً إذا بدأ بالضغط أو الإكراه.

والزواج نظام رباني لا يصح فيه إلا الصحيح . ويشترط لصحة الزواج شرطان : أولهما حضور الشاهدين من الرجال أو رجل وامرأتان. ويشترط في الشاهد عادة البلوغ والعقل . أما الشرط الثاني ألا تكون بين الزوجين علاقة محارم. بمعنى ألا تكون الزوجة من المحرمات على التأبيد كالمحرمات بالرضاعة أو المصاهرة أو النسب . ولا تكون الزوجة كذلك من المحرمات تحريماً مؤقتاً كزوجة الغير , والمشركة حتى تدخل الإسلام , والجمع بين المحارم, والمطلقة ثلاثاً . ولا بأس من زواج المسلم من الكتابية لقوله تعالى: " اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم". علماً بأنه لا يجوز زواج المرأة المسلمة من الرجل الكتابي مصداقاً لقول الله عز وجل :" يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن".

ولرفع الحرج عن الزوجة بكراً وثيباً , فإن الإسلام قد شرع ولاية التزويج , ومنح وليها المباشر الحق في أن توكل له أمر تزويجها , وهناك شبه إجماع فقهي على ذلك, باستثناء مذهب الحنفية الذي يسمح للزوجة البالغة العاقلة بعقد زواجها دون إذن الولي أو الوصي عليها. وقد جاء في كتاب "المرأة في القرآن" للأستاذ عباس محمود العقاد أن عقد الزواج يكون باطلاً إذا أنكرته المرأة وشكت إلى المحكمة بأنها مكرهة عليه. وقد نقض النبي عليه الصلاة والسلام , كما نقض الخلفاء الراشدون ,عقود زواج كثيرة, شكا فيها النساء عقد زواج بغير رضائهن. وقد تم النقض حتى بعد المعاشرة الزوجية أحياناٌ.

     وإذا تحدثنا عن أمر الخطبة , فإنها تجوز شرعاً ولكن لها شروطها. والإسلام لا يمنع أن يكون كل من الزوجين على علم بالطرف الآخر خَلْقاً وخُلُقاً وديناً وعادة. والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال :" إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل". علماً بأن القدر الذي يباح النظر إليه هو الوجه والكفين والقدمين . وفي الوقت ذاته ينبغي ألا تكون المخطوبة من المحارم حرمة أبدية أو مؤقتة ولا يجوز أن يخطب الرجل إمرأة سبق أن خطبها غيره, امتثالاً لقول رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام :" لا يبيع الرجل على بيع أخيه, ولا يخطب على خطبته ". ومن المستحسن عدم العدول عن الزواج بعد تمام الخطبة . وإذا حدث العدول ـ لا قدر الله تعالى ـ بعد إتمام الخطبة , وكان هناك ضرر أصاب المرأة كجهاز أعدته لبيتها الجديد , فالخطيب ليس مجبراً على تعويضها إلا إذا اشترط الخطيب نوعاً خاصاً من الجهاز, وفرض على المرأة تجهيزه. أما الهدايا التي تصحب الخطبة , فإن المذهب المالكي الذي يسير عليه أهل السودان يقر أنه إذا كان المهدى إليه هو السبب في العدول فعليه أن يرد الهدايا , وأما إذا لم يكن المهدي إليه سبباً في ذلك, فلا يطالب بشيء .

     ومثلما كان للخطبة شروطها , فإن للزواج شروط لا يتم إلا بها . وهي شروط عديدة أهمها المهر الذي يقدم إلى المرأة تكريماً لها.ويبطل عقد الزواج دون مهر. يقول الله تعالى:" وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ".

 

الفاضل العبيد عمر

عدد المساهمات : 19
تاريخ التسجيل : 03/10/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى